عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
408
اللباب في علوم الكتاب
قال ابن الجوزيّ : قد لبس إبليس على قوم يدعون التوكّل ؛ فخرجوا بلا زاد ، وظنّوا أن هذا هو التوكّل وهم على غاية الخطأ ، قال رجل لأحمد بن حنبل : أريد أن أخرج إلى مكّة المشرفة على التوكّل بغير زاد ، فقال له أحمد : اخرج في غير القافلة . فقال : لا إلّا معهم ، فقال : على جرب النّاس توكلت « 1 » . وروى محمد بن جرير الطبري عن ابن عمر قال : كانوا إذا أحرموا ، ومعم أزودة رموا به ؛ فنهوا عن ذلك بهذه الآية الكريمة . قال القاضي : فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه « 2 » وجهان : الأوّل : أنّ القادر على أن يستصحب المال في السفر إذا لم يستصحبه ، عصى اللّه تعالى في ذلك ، فبهذا الطّريق يصحّ دخوله تحت الآية الكريمة . والثاني : أن يكون في الكلام حذف ، والمراد تزوّدوا لعاجل سفركم ، وللآجل ؛ فإنّ خير الزاد التقوى . وقيل : المعنى فإنّ خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة ، والحاجة إلى السؤال ، والتكفّف ، وألف « الزّاد » منقلبة عن « واو » لقولهم تزوّد . قوله : « واتّقوني » أثبت أبو عمر « الياء » في قوله : « واتّقوني » على الأصل ، وحذف الآخرون ؛ للتخفيف ، ودلالة الكسرة عليه ، وفيه تنبيه على كمال عظمة اللّه وجلاله ؛ وهو كقول الشّاعر : [ الرجز ] 996 - أنا أبو النّجم وشعري شعري « 3 » قوله « يا أُولِي الْأَلْبابِ » اعلم أنّ لبّ الشيء ولبابه هو الخالص منه .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 273 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 5 / 144 . ( 3 ) الرجز لأبي النجم في أمالي المرتضى 1 / 350 ، وخزانة الأدب 1 / 439 ، والخصائص 3 / 337 ، والدرر 1 / 185 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1610 ، وشرح شواهد المغني 2 / 947 ، وشرح المفصل 1 / 98 ، 9 / 3 ، والمصنف 1 / 10 ، وهمع الهوامع 1 / 60 ، ومغني اللبيب 1 / 329 ، 5912 ، وأمالي الشجري 1 / 224 ، والرازي 5 / 144 والخبر الذي لا يغاير المبتدأ لفظا يذكر للدلالة على الشهرة ، أو عدم التغيير ؛ كالشاهد الذي معنا ( شعري شعري ) أي : المشهور المعروف بنفسه ، لا بشيء آخر ؛ كما يقال مثلا : شعري مليح ، وتقول : أنا أنا ما تغيرت عما كنت ، وقد صار البيت مثلا عند العلماء للتأويل المذكور ، فيما ظاهره الاتحاد بين الموضوع والمحمول ، قال صاحب الكشاف عند قوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [ الواقعة : 1 ] المراد : السابقون من عرفت حالهم ، وبلغك وصفهم ؛ كما في ( شعري شعري ) أي : شعري ما بلغك وصفه ، وحكمت ببراعته ، وفصاحته ، وصحّ إيقاع « أبي النجم » خبرا ؛ لتضمنه نوع وصفية ، واشتهار بالكمال ، والمعنى : أنا ذلك المعروف بالكمال ، وشعري هو الموصوف بالفصاحة . « وشعري شعري » جملة من مبتدأ وخبر ، وعدم مغايرة إنما هو للدّلالة على الشهرة ، أي : شعري الآن هو شعري المشهور ، المعروف بنفسه لا بشيء آخر .